دكتور المغيرة فضل الله يكتب: لماذا نظل أسرى تطبيق تحويل مالي واحد؟
- Auth admin
- 03 Oct, 2026
- 160
الأعطال المتكررة التي يشهدها التطبيق الأكثر انتشارا للتحويلات المالية في السودان لم تعد مجرد مشكلة تقنية عابرة، لأن حياة ملايين السودانيين ومعاملاتهم اليومية أصبحت مرتبطة به. وعندما يتعطل التحويل، تتعطل معه مصالح الناس: شراء الاحتياجات، دفع الالتزامات، تحويل المال للأهل، وأعمال التجار وأرزاقهم.
وهنا يبرز سؤال ظل قائماً لسنوات: لماذا لم تتبنَّ الحكومات المتعاقبة في السودان بصورة مبكرة وجادة أنظمة التحويل المالي عبر الهاتف المحمول (Mobile Money)، وتوفر لها القوانين والبنية التنظيمية التي تسمح لها بالانتشار والمنافسة؟
هذه ليست تقنية جديدة ولا تجربة مجهولة. في دول أفريقية كثيرة أصبح الهاتف العادي نفسه وسيلة لتحويل الأموال واستلامها ودفع ثمن السلع والخدمات، عبر تقنيات مثل USSD، دون الحاجة إلى هاتف ذكي أو تطبيق يعتمد بصورة كاملة على الإنترنت.
لدينا نموذج M-Pesa في كينيا وتنزانيا، ولدينا MTN MoMo الذي حقق انتشاراً واسعاً في عدد من الدول الأفريقية. والمفارقة أن MTN Sudan Fintech نفسها حاصلة على ترخيص من بنك السودان المركزي منذ عام 2022 كمؤسسة للدفع عبر الهاتف تحت العلامة التجارية MoMo. (CBOS)
إذن المشكلة ليست في غياب الفكرة أو التكنولوجيا. السؤال هو: لماذا تأخر تحويل هذه التراخيص والمبادرات إلى خدمات واسعة الانتشار يستطيع المواطن استخدامها بسهولة في كل مكان؟ ولماذا ظل النظام المالي الإلكتروني معتمداً إلى هذا الحد على التطبيقات البنكية والإنترنت؟
من الإيجابي أن وزارة التحول الرقمي والاتصالات أعلنت في مارس 2026، بالتنسيق مع بنك السودان المركزي، إدخال خدمات USSD للقطاع المصرفي، بما يسمح بالتحويل والاستعلام عن الرصيد وبعض الخدمات دون الحاجة إلى الإنترنت. لكنها خطوة كان السودان في حاجة إليها منذ سنوات، والأهم أن تتحول سريعاً من إعلان وتقنية متاحة إلى خدمة واسعة وموثوقة ومتنافسة بين الشركات. (TPRA)
الحرب، رغم مآسيها، جعلت ملايين السودانيين ينتشرون في بلدان مختلفة ويرون بأنفسهم كيف يمكن لخدمات بسيطة أن تختصر على المواطن الكثير من المعاناة. ومن الطبيعي أن يعود السوداني وهو يسأل: إذا كنت أستطيع في دولة أفريقية أخرى أن أحوّل المال من هاتف عادي خلال دقائق، فلماذا لا تتوفر لي الخدمة نفسها بصورة واسعة في السودان؟
السودان لا تنقصه شركات الاتصالات، ولا الكفاءات، ولا التجارب التي يمكن الاستفادة منها. ما يحتاجه هو بيئة تنظيمية تشجع المنافسة، وربط الخدمات والمحافظ ببعضها، وتوسيع شبكة الوكلاء، وعدم جعل حياة الناس ومعاشهم رهينة تطبيق واحد أو بنك واحد أو وجود الإنترنت.
التكنولوجيا التي تخفف معاناة المواطن ليست ترفاً. وفي بلد بحجم السودان وظروفه الحالية، التحويل المالي عبر الهاتف أصبح جزءاً من البنية الأساسية التي لا تقل أهمية عن بقية خدمات الاتصال.
دكتور المغيرة فضل الله السيد العوض
هل لديك تعليق؟
لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *
