محمد عباس يكتب: مؤسسة أبوذر الكودة... حين يصبح التعليم رايةً للصمود
- Auth admin
- 10 Sep, 2026
- 170
في أصعب الظروف التي مرَّ بها السودان، وفي زمنٍ اختلطت فيه أصوات الحرب بأنين المعاناة، وتهاوت فيه مؤسسات وتوقفت فيه مسيرة التعليم، ظهرت هناك مؤسسات اختارت طريقًا آخر... طريق الصمود، والإصرار، والأمل.
ومن بين هذه المؤسسات تبرز مؤسسة أبوذر الكودة التعليمية، التي لم تستسلم للظروف، ولم تسمح للحرب أن تقطع الطريق أمام أبناء السودان، بل تحدّت الصعاب، وقطعت حبل اليأس، ورفعت رايةً واضحةً تقول:
التعليم لأبناء الوطن... مهما كانت الظروف.
لقد أدركت المؤسسة أن الحرب مهما اشتدت، فإن مستقبل السودان لا ينبغي أن يتوقف، وأن أبناء هذا الوطن الذين حُرموا من مدارسهم وأمنهم واستقرارهم، يجب أن يجدوا بابًا مفتوحًا نحو المستقبل.
ومن هنا كانت الخطوة الجريئة بفتح فروع للمؤسسة خارج السودان، لتواصل رسالتها التعليمية، ولتؤكد أن التعليم لا تحدّه الحدود، ولا توقفه الحروب، ولا تهزمه الأزمات.
لقد كانت رسالة المؤسسة أعمق من مجرد تقديم خدمة تعليمية؛ فقد كانت رسالة وطنية وإنسانية، عنوانها الإيمان بأن السودان سيعود، وأن الطريق إلى عودته يبدأ من الإنسان، والإنسان يبدأ من التعليم.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب تهدم وتفرّق وتزرع الخوف واليأس، كانت مؤسسة أبوذر الكودة تبني وتجمع وتزرع الأمل.
ولهذا، فإنني أجزم بأن هذه المؤسسة كانت واحدة من جنود معركة الكرامة؛ ليس بالسلاح، وإنما بسلاحٍ لا يقل أهمية عن أي سلاح آخر: سلاح العلم والمعرفة وبناء الإنسان.
فالمعركة من أجل السودان ليست معركة ميادين فقط، وإنما هي أيضًا معركة الحفاظ على عقل الإنسان السوداني، ومستقبل أبنائه، وهويته، وأمله في الغد.
ومن هنا تأتي التحية والتجلة والتقدير للدكتور أبوذر الكودة، قائد هذا المشروع وربانه، الذي استطاع أن يقود مؤسسته وسط بحرٍ متلاطم من الصعاب، وأن يحافظ على استمرار رسالتها في وقتٍ كان فيه التوقف أسهل كثيرًا من الاستمرار.
والتحية كذلك لطاقم المؤسسة من المعلمين والإداريين والمشرفين والموظفين؛ أولئك الذين حملوا الأمانة، وآمنوا بالرسالة، وعملوا في ظروف استثنائية، وكان هدفهم أسمى من الربح المادي، وأكبر من الحسابات التجارية.
لقد آمنوا بأن صناعة جيل متعلم هي في حد ذاتها استثمار في مستقبل السودان.
ثم جاء الإنجاز الذي تُوِّجت به هذه المسيرة ليكون خير شاهد على صدق الرسالة وقوة الإرادة.
ففي الشهادة السودانية للعام 2025–2026، لم تكتفِ المؤسسة بأن تواصل المسيرة، وإنما قدّمت نتائج تليق بحجم التحدي الذي واجهته، وحققت إنجازًا استثنائيًا بدخول 50 طالبًا من طلاب المؤسسة ضمن المئة الأوائل.
وهنا تتوقف الكلمات قليلًا أمام هذا الرقم.
خمسون طالبًا ضمن المئة الأوائل!
إنه ليس مجرد رقم في كشف نتائج، وإنما هو ثمرة تعب معلمين، وإصرار إداريين، ومتابعة مشرفين، وصبر أسر، واجتهاد طلاب، وإيمان مؤسسة كاملة بأن الظروف مهما كانت قاسية، فإن النجاح ممكن.
إن هذا الإنجاز يبعث برسالة واضحة لكل من ظن أن الحرب قادرة على إيقاف التعليم:
لا... التعليم لا يموت.
وقد أثبتت مؤسسة أبوذر الكودة أن المدارس يمكن أن تغلق أبوابها في مكان، ولكن رسالتها تستطيع أن تفتح أبوابًا جديدة في مكان آخر، وأن السودان يمكن أن يمر بواحدة من أصعب مراحله، لكن أبناءه قادرون على صناعة النجاح حتى من قلب المحنة.
إن نجاح خمسين طالبًا في الوصول إلى قائمة المئة الأوائل ليس نجاحًا للمؤسسة وحدها، وإنما هو نجاح لكل معلم وقف خلف طالب، ولكل أسرة صبرت، ولكل طالب تمسك بحلمه، ولكل سوداني ما زال يؤمن بأن لهذا الوطن مستقبلًا يستحق أن نحافظ عليه.
الدكتور أبوذر الكودة...
لك الشكر والتقدير والاحترام.
ولطاقم المؤسسة كاملًا، من معلمين وإداريين ومشرفين وموظفين، كل التحية والامتنان.
لقد أثبتم أن المؤسسات التعليمية يمكن أن تكون حصونًا للأمل، وأن أعظم ما يمكن أن نقدمه للسودان في زمن المحن هو أن نحافظ على تعليم أبنائه.
وإن كان السودان اليوم يعيش واحدة من أصعب فصول تاريخه، فإن أمثال هذه المؤسسات تمنحنا الحق في أن نرفع رؤوسنا ونقول:
ما دام في السودان من يعلّم، ومن يتعلم، ومن يبني الإنسان، فإن السودان بخير... وسيعود.
وسيظل التعليم هو الباب الذي يعود منه السودان.
فلكم منا كل التقدير، وكل الفخر، وكل الدعوات بأن تواصل مؤسسة أبوذر الكودة مسيرتها، وأن يكون هذا الإنجاز بداية لإنجازات أكبر، وأن نرى أبناءها غدًا في مواقع العلم والطب والهندسة والاقتصاد والإدارة، يحملون راية السودان، ويعيدون بناء وطنٍ يستحق أن نختلف من أجله في كل شيء، إلا في حبّه وبنائه.
مؤسسة أبوذر الكودة التعليمية...
لم تنتظر أن تنتهي الحرب حتى تبدأ.
بل بدأت من قلب الحرب لتصنع الأمل.
وهذا وحده إنجاز يستحق أن يُكتب في سجل المؤسسات التي اختارت أن تكون جزءًا من صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج على الحاضر.
محمد عباس صالح الولاية الشمالية كرمكول 10 اغسطس 2026
هل لديك تعليق؟
لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *
