:

آمنة السيدح تكتب: الكهرباء.. ليست مجرد قطوعات!!

top-news
https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg


ليس دفاعا عن وزارة الكهرباء، ولا تبرئةً للحكومة، ولا محاولةً لتجميل واقع لا يحتاج إلى تجميل، وإنما هو وقوف مع دولةٍ يريد الذين يحاربونها أن تمسح من الخريطة تماما  وأن تصبح نسياً منسياً.

هذه الحرب سادتي، لم تكن ميادينها الثكنات العسكرية وحدها، بل تمددت إلى كل شيء؛ إلى المستشفيات والمياه والكهرباء والطرق والمرافق العامة، وإلى منازل المواطنين التي لم تسلم من السرقة أو الإتلاف.

وكان واضحا سادتي  أن استهداف الخدمات لم يكن فعلاً عشوائياً، وإنما جزءاً من حربٍ تعرف جيداً أن الدولة التي تُنهك خدماتها وتُعطّل بنيتها التحتية تصبح أكثر هشاشة، وأن المواطن الذي يبحث عن الماء والكهرباء والعلاج قد يفقد القدرة على الصمود.

وكان للكهرباء نصيبها من هذه الحرب. استُهدف سد مروي أكثر من مرة، وطالت الهجمات المحولات الرئيسية التي تغذي الولايات والمدن. ومن يفعل ذلك يعرف جيداً أن السودان الذي يقاتل حرباً طويلة لا يملك رفاهية مخازن ضخمة من قطع الغيار، ولا ميزانية مفتوحة لاستيراد كل ما يُدمَّر، وحتى إذا توفرت الأموال والقطع، فالمسيرات قد تكون في انتظارها قبل أن تصل إلى مواقعها.

لهذا سادتي، فإن اختزال الأزمة الحالية في عبارة «قطوعات كهرباء» يشبه النظر إلى الجرح من سطحه فقط. نعم، هناك أخطاء إدارية، وهناك قصور حتى على المستوى التأميني، وهناك ما يجب أن يُراجع ويُحاسب عليه المسؤولون، لكن ليس من العدل أن نقارن سادتي ما يحدث اليوم بالقطوعات التي عرفها السودانيون قبل الحرب، وكأن سد مروي لم يُستهدف، وكأن المحولات لم تُضرب، وكأن البلاد تعيش ظروفاً طبيعية.
والأهم من ذلك: هل الحل في إقالة وزير الطاقة والكهرباء؟
قد تكون الإقالة مطلوبة إذا ثبت أن الوزير أخفق أو قصر أو لم يمتلك القدرة على إدارة الأزمة. لكن السؤال الأهم: هل المشكلة في بقائه أم في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة ترتيب؟ فهذه أزمة أكبر من مسؤول، ومن يأتي بعده سيجد أمامه المحولات ذاتها، والموارد المحدودة ذاتها، والحرب ذاتها، والمخاطر ذاتها.

نحتاج إلى وقفة دولة، تبدأ بحماية ما تبقى من البنية الكهربائية، وتأمين المحولات والمنشآت الحيوية، ووضع أولويات واضحة للصيانة والاستيراد، ثم ترتيبات إدارية وفنية عاجلة، وخطة مرحلية معلنة يعرف المواطن من خلالها ماذا يحدث ومتى يمكن أن يتحسن الوضع.

ونحتاج قبل ذلك إلى إعلامٍ  كافي يشرح للناس حجم المشكلة وأسبابها وما يجري لمعالجتها.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، لكنه يريد أن يعرف الحقيقة.
وفي زمن الحرب، حماية الدولة لا تعني إسكات النقد، كما أن النقد لا يعني هدم الدولة.

ننتقد المسؤول حين يخطئ، ونحاسبه حين يقصر، لكننا في الوقت نفسه لا ينبغي أن نمنح الحرب انتصاراً إضافياً بتحويل كل أزمة إلى معركة داخلية.

الكهرباء ليست مجرد قطوعات.. إنها واحدة من جبهات الدولة في حربٍ لم تترك للدولة شيئاً إلا واستهدفته.

https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg

هل لديك تعليق؟

لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *