:

د. محمد حمزة محمد الشريف يكتب : طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة.. قراءة مقارنة بين فلسفة "المنظور الإسلامي" والبراغماتية الميكيافيلية الغربية..

top-news
https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg


إن العلاقة بين الدين والسياسة في الإسلام هي علاقة عضوية متينة، فالدين وضعٌ إلهي ثابت، مقدّس، ومعصوم، يشتمل على العقائد، والعبادات، والشريعة، وفيه الأصول وفيه الفروع.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أين موقع السياسة من الدين؟ هل هي من الأصول أم من الفروع؟

وفقاً لرأي أهل السنة والجماعة –الذين يمثلون السواد الأعظم من الأمة الإسلامية– فإن السياسة والإمامة والخلافة هي من الفروع، وليست من أمهات العقائد. وبناءً على هذا فإن الخلاف في المسائل السياسية يُحكم عليه بميزان "الخطأ والصواب" أو "النفع والضرر"، وليس بميزان "الإيمان والكفر".

وكما يقول الدكتور محمد عمارة: "فإنّ التعددية الفكرية والحزبية والمشاريع السياسية أمرٌ وارد ومستساغ، ليس فقط بين الإسلاميين والعلمانيين، بل حتى في داخل الساحة الإسلامية نفسها. لا يصح تكفير أو تأثيم من يرى فصلاً إجرائياً بين الدين والسياسة ما لم يُنكر معلوماً من الدين بالضرورة".

(وعلى النقيض من ذلك، ذهبت الشيعة إلى جعل الإمامة والسياسة أصلاً من أصول الدين والعقائد، ولذلك يترتب على الخلاف فيها عندهم أحكاماً عقدية صلبة).

ولتقريب الفهم في أمر موقع السياسة في الدين، ساق الدكتور محمد عمارة تشبيها رائعاً يبين أين هي السياسة من الدين؛ فيقول:

 "لتوضيح هذا المفهوم، يمكننا تشبيه الدين بـ(شجرة ذات جذع ثابت وأصول راسخة، السياسة تمثل الفروع والأوراق المتجددة التي تنبت من هذه الشجرة لتواكب كل مستجد في الواقع المعاش. ولكي تكتسب هذه الفروع صبغتها الإسلامية، لا بد لها أن تظل متصلة بالجذع وتستمد منه غذاءها وقيمها. فإذا قُطع الفرع عن الأصل، خرجت السياسة عن إطارها الإسلامي."

لذلك فإن إهمالها بالكلية أو إسناد إدارة الأمة إلى حاكم لا يرعى الأصول الإسلامية فقد يؤدي إلى الفساد وإحداث الخلل في حفظ الدين والمجتمع.

وهنا يبرز السؤال الأزلي حول جوهر الفلسفة السياسية، وهو:

 هل السياسة وسيلة لتحقيق الفضيلة، أم هي مجرد أداة لإدارة القوة واستدامة السلطة؟

للإجابة عن هذا التساؤل، يقف الفكر الإنساني أمام مدرستين متناقضتين جذرياً: 

المدرسة الإسلامية الأخلاقية.
والمدرسة الواقعية النفعية "الميكيافيلية".

أولاً: المدرسة الإسلامية:

وتتبنى مبدأ أن: (السياسة فرع من الأخلاق)
لذلك فإنّ السياسة والمصلحة في المفهوم الإسلامي (عند العلماء المسلمين): هي "التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد". فهي تدبير دنيوي لإدارة مصالح الخلق، لكنه منضبط بمقاصد الشريعة وقيمها العليا، حتى وإن لم يرد في تلك التدابير نص تفصيلي خاص في الكتاب أو السنة. 

ولهذا فالسياسة كرسالة أخلاقية: 

لا تنظر إلى ممارسة السلطة كحالة استثنائية تُبيح التحلل من القيم، بل هي تكليف ورسالة ممتدة لحفظ الدين وسياسة الدنيا بالعدل.

 فالسياسي، رجلاً كان أم امرأة، يجب أن يكون نموذجاً أخلاقياً يُحتذى به. فالشريعة كلها عدل، ورحمة، وحكمة، ومصلحة، وكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة في شيء.

ثانياً: المدرسة الواقعية النفعية الغربية:

السياسة والمصلحة في المفهوم الغربي (العلماني البراغماتي): هي "فن الممكن" القائم على الواقع، وتتحكم فيها "فلسفة القوة" والنزعة الدارونية الاجتماعية (البقاء للأقوى والأصلح)، بمعزل عن المبادئ الأخلاقية. 

إذن فالسياسة في المفهوم الغربي تقوم على أن: (السياسة علم للقوة والمنفعة)

وهي في جوهرها تقوم على النظرية الميكيافيلية التي تفصل تماماً بين الأخلاق والسياسة، حيث إنّ الهدف الرئيس: البقاء، والانتصار، وتحقيق سيادة المنظومة الحاكمة، بالتركيز بشكل كامل على مفهوم "القوة".

فالأخلاق أداة وظيفية: في العرف الميكيافيلي، الأخلاق والدين ليسا مقاصد في حد ذاتهما، بل هما "أدوات بروباغندا" (دعاية). إذ لا بأس أن يتظاهر السياسي بالرحمة، والوفاء، والتدين ليحوز على احترام العوام والسيطرة على عواطفهم، لكن لا يجوز له أن يلتزم بهذه القيم إذا كانت ستُضعف سلطته أو تُفوت عليه فرصة سياسية.

هناك مبدأ أساس في النظرية الغربية القائمة على "النظرية الميكيافيلية" وهو مبدأ اقتناص اللحظة (الفرصة)؛ فالقائد يجب يكون مرناً، قادراً على التعامل مع تقلبات الواقع، ومستعداً لارتكاب الفظائع واغتيال الخصوم بغض النظر عن التكلفة الأخلاقية، مادام ذلك يحقق النصر ويحمي الدولة؛ فالغاية عنده دائماً "تُبرر الوسيلة".

المقارنة الاستراتيجية بين المدرستين:

أولاً: الركائز الأساسية:
المدرسة السياسية القائمة على تعاليم الإسلام يقوم بنيانها على الحق والفضيلة، معليّةً قيمة الأخلاق الفاضلة التي تحترم الإنسان أين كان موقعه، جنسه أو معتقده.

بينما النموذج الغربي يقدم أسوأ نموذج للسياسة على الإطلاق، ويبقى النظام الأمريكي أكبر وأقبح نموذج للميكافيلية والانتهازية في أقذر صورها.

ثانياً: الغاية من السلطة والحكم:
المنظور الإسلامي للحكم يقوم على إقامة العدل وعمارة الأرض، وحفظ كرامة الإنسان.
بينما المدرسة الغربية تقوم على المادية والتسلط، والاعتداء على المستضعفين، وتسعى دائماً للتفوق على الخصوم وسحقهم، ولا يهمهم الإنسان؛ كرامته، عزته، أو حياته.

ثالثاً: موقع الدين والأخلاق في الحكم:
الدين في المنظور الإسلامي غاية ومقصد ثابت يحكُم به الحاكم ويُحاكَم به.
بينما النظام الغربي يتخذ الدين وسيلة لبلوغ غايات خبيثة، ثم يُرمى متى تحققت المصلحة.

وأخيراً: صفات القائد في المدرستين:
القائد المسلم يتسم بالحكمة؛ وهي القدرة على وضع الأمور في نصابها الصحيح واتخاذ القرارات السديدة. والشجاعة؛ التي تقوم على الإقدام في مواطن الحق والثبات عند الشدائد دون تهور. والعفة؛ بضبط النفس والترفع عن الصغائر والمطامع الشخصية وحماية المال العام. والعدل؛ بإعطاء كل ذي حق حقه، وهي أساس الملك وصمام أمان الدولة.

بينما القائد في النظام الغربي يجمع بين مكر "الثعلب" وبطش "الأسد.

 إن الخلل الكبير في السياسة الغربية المعاصرة يكمن في تغليب النموذج الميكيافيلي، مما حوّل العلاقات الدولية والسياسات الداخلية إلى ساحات للصراع البارد والمصالح الضيقة المجرّدة من الإنسانية.

وتظل أطروحة "المنظور الإسلامي" تذكيراً دائمًا بأن السياسة بلا أخلاق هي أقصر الطرق لهدم المجتمعات، وأن استدامة الدول لا تكون إلا بالعدل والقيم الثابتة. 

في هذه المدرسة، يُعتبر الحاكم "راعياً" ومسؤولاً أمام الله وأمام الرعية. في الوقت الذي تُصنّف السياسة الخالية من الأخلاق كنوع من "التغلب والبطش" وليست سياسة شرعية أو عادلة. 

لذا فإنه يجب على النُخب والقادة في البلاد العربية الإسلامية أن تتبنى – إن هي رغبت في تطوير مجتمعاتها – أن تغلب المدرسة الإسلامية في السياسة وإدارة الحكم.

https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg

هل لديك تعليق؟

لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *