:

د.محمد حمزة محمد الشريف يكتب :نداء الصدق في زمن التيه.. من عمى الأبصار إلى عمى البصائر

top-news
https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg



من صعيد عرفات.. بدأت الحكاية
في يومٍ مشهود من أيام الله، على صعيد عرفات الطاهر، وقفت امرأة تونسية سبعينية، كان قد فقدت بصرها بسبب جلطة في الدماغ، لكن قلبها كان يهفو دائماً إلى رحاب الله.
الحاجة نفيسة القرمازي، التي سارت بين الحجيج بظلامٍ غطى عينيها، ولكن كان اليقينٍ يملأ جوانحها. هناك، وفي لحظة صدقٍ تجردت فيها من حولها وقوتها، ودعت بلهفتها المستجيرة: "يا رب، جيتك كفيفة البصر.. رجّع لي بصري".
وكانت المعجزة من الله، ففي طرفة عين يرتد إليها بصرها وانقشعت الظلمة، وعاد النور يتدفق في عينيها، هذا الموقف شاهد على أن الصدق مع الله هو مفتاح المعجزات، وأن بصر الجسد يرتد بطرفة عين إذا صدقت البصيرة.

في زماننا هذا نعيش في بلادنا المفارقة الموجعة، وهي أننا نرى في أمتنا وفي أرجاء وطننا الغالي "السودان" كثرةً يمشون بين الناس بأعينٍ شاخصة مبصرة، بيد أن قلوبهم غلفٌ وبصائرهم عمياء، مصداقاً لقوله تعالى في محكم التنزيل:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)[سورة الحج]

جوع النفوس المريضة.
يعيش السودانيون - اليوم – المحنة بكل تفاصيلها؛ من تمزقٍ واحتراب، وفساد استشرى في جسد الدولة المنهك-. فهي ليست محنة نقصٍ في العقول ولا شُحٍّ في الخيرات؛ فبلادنا تنام على بحارٍ من النعم. إنها محنة "جوع النفوس المريضة ونهمها"؛ تلك النفوس التي (طغت وتعالت، واستبد بها الطمع والجشع لكل ما هو حرام). فباتت قلة فاسدة تستأثر بخيرات البلاد باسم الحزب، أو القبيلة، أو التنظيم، أو المصلحة الشخصية، ضاربةً بمفهوم الوطن الواحد والجسد الواحد عرض الحائط.
إن الانكفاء على مكانة الآباء وإرثهم السياسي، والاعتداد والتحامي بالقبيلة، أو الجهة أو التنظيم أو الحزب، يُعدُّ ذلك في مقام الظلم، بل وهي جاهلية متجددة، وأن التمكين لجهةٍ دون أخرى هو زرع لبذور الفناء.
وقد حذَّر الأولون من مغبة التنازع والتعالي:
كونوا جميعاً يا بنيّ إذا اعترى ... خطبٌ ولا تتفرقوا أفرادا 
تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسُّراً ... وإذا افترقن تكسّرت آحادا

خطل التبعية العمياء والارتماء في أحضان السراب..
ومن أشد مظاهر عمى البصيرة إيلاماً، هو ذلك الصنف من أبناء الوطن الذين أصيبوا بـ "ضعف الفكرة" وهوان الهوية، فانساقوا وراء بريق الغرب الزائف، مبهورين بثقافةٍ تتهاوى قِيمها كل يوم، وتتكشف عوراتها وفضائحها وفظائعها أمام العالم.
ساروا خلفهم عمياً حذو النعل بالتعل، ممنين النفس أن تحملهم دبابات العدو وراجماته ومسيَّراته لكراسي الحكم، متناسين أن أولئك الفرنجة منذ الأزل طامعين في أرضنا وثرواتها، ولا يهمهم من إنسان السودان إلا دموعه وأشلاؤه.
كيف يرتضي ابن الأرض الطيبة أن يكون تَبَعاً لثقافةٍ غريبة، أثبتت الأيام خَطَلها وبطلانها؟ إنه التيه الذي يصنع من المفتون خادماً لعدوه، يرى بنوره الهدى ظلاماً والظلام نوراً.
أنهار الدماء.. وثمن السلطة الزائف..
أما الوجع الأكبر، والغصة التي تكاد تسد الحلوق، فهي أولئك الذين أعمى بريق السلطة قلوبهم وأبصارهم، فأعانوا الأعداء على أهلهم وعشيرتهم. باعوا الضمير والوطن في سوق النخاسة السياسية، خاضوا بأقدامهم وسط دماء إخوانهم وأشلائهم من أجل كراسي واهية، فوق أنهارٍ من دموع الأمهات الثكالى وصراخ الأطفال اليتامى.
لهؤلاء نقول: أيُّ سلطةٍ هذه التي تُبنى على جماجم الأهل؟ وأيُّ ملكٍ هذا الذي يُشترى بخراب الديار؟ إن التاريخ لا يرحم، والديّان لا يموت، وقانون السماء يقرر:
لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)[سورة النساء]

نداء الاستبصار.. والعودة إلى الرشد..
يا بني السودان، إننا بحاجةٍ ماسة اليوم، قبل فوات الأوان، إلى "وقفة صدقٍ مع النفس" أولاً، ثم "مع الله ثانياً". نحتاج إلى غسلٍ للقلوب من أدران الأنانية والجهوية والتبعية.
إن استعادة بصر الوطن تبدأ من استبصار أبنائه لخطيئتهم، والاعتراف بأن الطريق الذي نسير فيه لا يقود إلا إلى الهاوية.
نريدها لحظة صدقٍ شبيهة بيقين تلك المرأة الكفيفة؛ لحظة نضع فيها السلاح أرضاً، وننفض أيدينا من تحالفات الغدر مع الأجنبي، ونعود إلى رشدنا. لعل الله يرحمنا، ويؤلف بين قلوبنا، ويهدينا سبيل الرشاد.
إننا نحلم، ومن حقنا أن نحلم، ونعمل من أجل "سودان معافى، سالم، آمن، ومزدهر"؛ سودان يتسع للجميع، يبنيه الصادقون بسواعدهم، وتظلله قيم العدل والمحبة، وتنمحي فيه عصبيات الجاهلية.
يبقى الأمل هو الوقود الذي نتنفس به، والإيمان بالوعود الربانية وبوعي الشرفاء من أبناء السودان هو ما يجعلنا نوقن بأن الفجر القادم سينقشع فيه هذا الظلام لا محالة.
حفظ الله السودان، وأهله، وأعاد إليه أمنه واستقراره...

بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ ... وأهلي وإن ضنوا عليّ كرامُ

https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg

هل لديك تعليق؟

لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *