:

د. المغيرة فضل الله يكتب: ‏من يمثل الشعب السوداني

top-news
https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg

في ظل غياب الانتخابات في السودان منذ سنوات، وتعثر الانتقال الديمقراطي بعد الثورة السودانية 2019، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: من يمثل الشعب السوداني اليوم؟ الإجابة، رغم قسوتها، أن لا أحد يملك هذا التفويض الكامل. فالأحزاب السياسية، على اختلاف توجهاتها، لم تخضع لاختبار انتخابي حديث يمنحها شرعية التمثيل، والمكونات العسكرية، رغم سيطرتها على الأرض، تستند إلى قوة الأمر الواقع لا إلى إرادة المواطنين، أما قوى المجتمع المدني، ورغم دورها الحيوي، فهي لا تزال مشتتة وغير منتخبة على مستوى وطني شامل.


تزداد هذه الإشكالية تعقيداً حين تحاول بعض الأطراف تقديم نفسها ممثلاً للشعب استناداً إلى دعم خارجي أو قرب من مراكز القرار، في حين أن الشرعية السياسية لا تُمنح من الخارج ولا تُكتسب بالاقتراب من السلطة، بل تُبنى من الداخل عبر تفويض شعبي واضح. وعليه، فإن أي ادعاء بتمثيل الشعب السوداني في ظل غياب هذا التفويض يظل ادعاءً منقوصاً، مهما كانت مبرراته.

إن جوهر الأزمة في السودان اليوم لا يقتصر على صراع حول من يحكم، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق التحدث باسم الناس. فكل عملية سياسية تُبنى على أطراف لا تملك سنداً جماهيرياً حقيقياً ستظل هشة، وقابلة للانهيار عند أول اختبار، وهو ما يفسر تعثر المبادرات المتكررة التي لم تنجح في إنتاج حل مستدام.

ظل النقاش العام محصوراً بين خيارين تقليديين: إما انتظار انتخابات شاملة، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الحرب أو الاعتماد على تقديرات سياسية وانطباعات نخبويّة لا تعكس بالضرورة المزاج الشعبي الحقيقي. غير أن هذا الطرح يغفل إمكانية بناء شرعية مرحلية من القاعدة إلى القمة، عبر أدوات عملية يمكن تنفيذها حتى في الظروف الحالية.

من بين هذه الأدوات، يبرز خيار تنظيم انتخابات محلية في المناطق الآمنة نسبياً، تبدأ على مستوى الأحياء والمحليات، وتمتد إلى تشكيل مجالس ولائية منتخبة تعكس التنوع الجغرافي والاجتماعي للسودان. هذه المجالس يمكن أن تشكل مرآة حقيقية للرأي العام، وتوفر أساساً عملياً لاختيار ممثلين على مستوى وطني بصورة تدريجية، بدلاً من فرض تمثيلات فوقية لا تحظى بقبول شعبي.

كما أن إشراك قوى المجتمع المدني بشكل مؤسسي، عبر نقابات منتخبة واتحادات مهنية وكيانات شبابية منظمة، من شأنه أن يعزز من مصداقية العملية التمثيلية، ويضمن أن تكون أكثر شمولاً وتعبيراً عن مختلف فئات المجتمع. بهذا المعنى، يصبح بناء الشرعية عملية تراكمية تبدأ من المواطن نفسه، لا من الترتيبات السياسية المغلقة.

هذا النموذج لا يلغي الحاجة إلى انتخابات عامة، بل يمثل خطوة انتقالية ضرورية نحوها، ويتيح في الوقت ذاته قياساً واقعياً للإرادة الشعبية بعيداً عن الادعاءات غير المختبرة. كما أنه يسهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويحد من هيمنة النخب السياسية المعزولة عن قواعدها.

في النهاية، لا يمكن لأي جهة أن تدّعي تمثيل الشعب السوداني دون أن تختبر هذا الادعاء على الأرض. فلا القرب من السلطة يمنح الشرعية، ولا الدعم الخارجي يعوّض غياب التفويض الشعبي. الشرعية الحقيقية تُبنى من القاعدة، من المواطن نفسه، حتى في أصعب الظروف.
د. المغيرة فضل الله السيد العوض 

https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg

هل لديك تعليق؟

لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *