عزمي عبد الرازق يكتب :والي الجزيرة صاحب الظل القصير
- Dr Abas
- 13 Dec, 2025
- 105
في كل ولاية، يظهر وجه السلطة واضحاً مثل ظلّها، طويل إذا امتدَّ للناس، قصيرٌ إذا انكمش على نفسه. أما والي الجزيرة الطاهر إبراهيم، فظلّه أقصر من أن يغطي محلية واحدة، فالرجل يتصرّف كأنه معتمد مدني الكبرى، وليس والياً على ولاية هي الأكبر سكاناً، والأغنى زراعة، والأشد ابتلاءً بمخلفات الحرب ومجازرها، وقد جاء به الحظ العاثر، أو قرعة السياسة، أو الصدفة، لا يهم، فظن أن المنصب “مقعد” بلا أعباء، فركن إليه ونام نومة أهل الكهف، تاركاً المحليات الأخرى تتخبط في الظلام.. حرفياً ومجازياً.
تنهار الخدمات في الجزيرة، وتتهاوى الصحة والتعليم والمياه، وتختفي الدولة في عزّ الحرب، وبعد التحرير، وينهض كل شيء بالجهد الذاتي، بأموال المغتربين الذين أخذوا تنمية قراهم ومدنهم على عاتقهم، لوحدهم، ومع ذلك تطاردهم الجبايات، والرسوم غير القانونية، لا شيء يعمل، إلا العجز. الأمن مرتبك، المعابر مفتوحة للخوف، والمسؤول الأول نائم على دفتر الاجتماعات، بينما الولاية تتشقق من الأطراف، وهو مشغول بترميم واجهات ود مدني فقط… كأن بقية المحليات ليست ضمن ولايته ولا في جغرافيا السودان أصلاً، فهو على ما يبدو يشبه حكومة كامل إدريس، كسولة، وبعيدة عن الناس، وبلا مشروع.
في خارطة الطرق التي يتباهى بها الوالي، بحثت في خطوطها، في الألوان، في المثلثات الصغيرة المكتوب عليها "ود مدني 30 كلم"، وجدت المناقل، وجدت الاعوج، إلا الكاملين. محلية كاملة شُطبت من الذاكرة، من التخطيط، من لائحة الاهتمام. كأن في الخرائط من يمسك ممحاة خاصة لمحو الأطراف، وترك المركز يأخذ كل الضوء… وكل الطريق.
أين طريق المسيد–أبوعشر الذي يشق قلب المحلية؟ الطريق الزراعي المهم، أين الطريق الغربي الممتد من الجديد إلى السديرات وكاب الجداد والعقليين حتى المناقل؟ أين طريق الكاملين–المعيلق، الرابط بين مدينتين تسندان نصف اقتصاد المحلية؟ هذه ليست طرقاً… هذه شرايين حياة. ولكن الوالي لا يرى الأطراف، لأن الظل القصير لا يصلها.
محلية الكاملين تُركت للغبار، للإهمال المزمن، لغياب تمثيلها في أي مقعد مؤثر داخل الولاية، ولا حتى مجلس الوزراء؟ الإدارات العامة؟ بلا صوت. حتى الوجود الرمزي… غائب. كأن المحلية بلا مواطنين، بلا موارد، بلا حق، حتى جياد لم تعد بذات الزخم، فقد رحلت بعيداً. وحين تسأل الوالي: هل الكاملين غير مؤهلة للاستثمار؟ يبتسم ابتسامة الموظف الذي لم يسمع بالسؤال من قبل.
أكثر من 150 قرية غارقة في الظلام منذ عام كامل أو يزيد. كهرباء مقطوعة، أوبئة منتشرة، جراح الفقد لم تندمل بين أزرق والسريحة (أرض الشهداء)، التكينة ثم المعيلق، هؤلاء الذين وقفوا في وجه المليشيا يوم كانت الدولة تنزف… تُركوا الآن في العراء. لا والي يسمع، ولا حكومة تفهم، ولا وعود تتحقق، وأظنكم شاهدتهم مستشفى ابوشنيب، ذلك الذي شيده الأهالي هنالك بجهدهم وعرقهم.
أبناء شمال الجزيرة يرفعون صوتهم للقائد البرهان، نريد والي يشبهنا، ينتمى لتضحياتنا، لمواجعنا الكبيرة، لأن الولاية بلا صاحب. لأن الوالي فقد حسّ المسؤولية، وفقد القدرة على الفعل، وفقد حتى الغضب. ووسط هذا الخراب، تظهر مزارع البنقو التي ظلت تعمل في الخفاء، كأن الولاية أصبحت أرضاً مباحة لكل شيء… إلا التنمية، دعك من قصة وزيرة البيئة التي أبقى عليها طويلاً وهى أقرب لموالاة المليشيا، فإذا كان يعلم فتلك مصيبة، وإن لم يعلم فالمصيبة أعظم.
إن استمرار هذا الوالي ليس مجرد خطأ إداري، بل تهديد مباشر. الجزيرة تقف على حافة حرب من نوع آخر، حرب الإهمال، الفساد، وترك الأطراف تحترق وحدها. وكل يوم يقضيه الوالي في مقعده هو خصمٌ من الولاية، وخصمٌ من حياة الناس، وخصمٌ من المستقبل.
هذا الوالي ظلّه قصير… لا يغطي أحداً، ولا يحمي أحداً، ولا يلامس أطراف ولايته. والولاية التي تُدار بظلّ قصير… يطول فوقها الليل البهيم
هل لديك تعليق؟
لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *
