:

من ذاكرة السودان...الطيب صالح: السياسة و القراصة

top-news
https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg



كان يوجد في حي (بادنجتن) تلك الأيام، بيت للسودانيين، فطبعوه، وطبعوا الأحياء المجاورة له بطابعهم.
 كانوا عدداً، دارسين وزواراً، ومبعوثين في بعثات تدريبية قصيرة. وكانت أحوالهم ميسرة، فنشأت تجارات تحقق لهم مطالبهم. حوانيت بقالة، ومحلات لبيع الأقمشة والثياب النسائية، ومطاعم وغيرها.
كان يوجد مطعم يوناني قريب من بيت السودان، يقدم طعاماً يذكر السودانيين، ولو قليلاً، بطعام بلادهم.
كانت المطاعم الإنجليزية هي الغالبة تلك الأيام، وكان الطعام الإنجليزي قُحّاً لا يكاد يسأغ. ثم فتح مطعم هندي في برد ستريت، وما كنت تجد مطعماً هندياً تلك الأيام، إلا بعد جهد، فأقبل عليه السودانيون، لأنهم وجدوا فيه البصل والثوم والشطة والليمون، وأصنافاً من طبخات اللحوم، تذكر( باليخني) و( كباب الحلة). ووجدوا خبز ال(شباتي) الذي يقرب من (القرّاصة).
هذا والشيء بالشيء يذكر، فسّر صاحب( اللسان) أن كلمة قرّاص من بعض معانيها "الذي جاوز الحد حتى حمض." وضرب مثلاً قول الشاعر :
يا رُب شاة شاص
في ربرب خماص
يأكلن من قراص 
وَحَمْصَصِيص آص
كفلق الرصـاص
(والقرّاصة) السودانية خبز عريض مستدير يميل إلى الحموضة في الغالب، يعمل على صاج محمى. وقال الشيخ إن من معاني قرّاص أيضاً «الغلّظ» وخبز أهل السودان هذا يكون غليظاً.
أما الرقيق منه فيسمى (الكسرة).
 وهذا وذاك يؤكلان باللبن أو بأدام يسمى( المُلاح ).
وفسّر الشيخ أن ملح من معانيها اللبن. وقال يقال بين فلان وفلان ملح وملحة أي بينهما حرمة.
ولعلنا أسمينا كل أدام (ملاح) لأنه كان لبنا في الغالب. 
وربما يكون كل ما جرى لأهل السودان إلى اليوم هو بسبب (الكسرة والملاح). وذلك كما قال أبو الطيب رحمه الله:
ومراد النفوس أهون من
أن نتعادي فيه وأن نتفاني

وهكذا ترى يا أصلحك الله، أنه كما يكون الخبز قُرّاصاً، كذلك تكون بعض نظم الحكم. وبوسعك أن تقول (هذا حُكم قرّاص) أي أنه حامض وغليظ.
ويذكرني هذا، ولقد تذكر الخطوب وتنسى، كما قال أبو عبادة، وصفاً سمعته من السيد الصادق المهدي، حيّاه الله وحفظه ورعاه، فهو من المرابطين المصابرين، قال إن الحكم الدكتاتوري منه (المخفّف) ومنه (المغّلظ). وما أظن (المغلظ) هذا إلا أنه (القُرّاص)..

https://albadeelpress.com//public/frontend/img/post-add/add.jpg

هل لديك تعليق؟

لن نقوم بمشاركة عنوان بريدك الالكتروني، من اجل التعليق يجب عليك ملئ الحقول التي امامها *